السيد محسن الأمين

32

أعيان الشيعة

من مؤلفات جابر بن حيان إلى اللاتينية ، وهو مجموعة تتألف من سبعين كتابا . وجدير بمن يظفر بمثل هذه الشهرة في العالمين - الشرقي والغربي - ان تحاك حوله الأساطير ، وان تنسب إليه الكتب ، حتى ليبلغ بالمؤرخين المحققين الذهاب إلى حد الشك في وجوده وفي حقيقة شخصيته ، وفي أنه هو صاحب تلك المؤلفات أو أن غيره هو الذي صنفها ونحلها إياه . وقد كان جابر ومؤلفاته موضع شك القدماء ، كما كان موضع شك المحدثين . ( ثم يشير الكاتب إلى أن ممن شك بحقيقة جابر ، ابن نباتة فيقول : ) ويبدو أن الباعث الذي دفع ابن نباتة إلى ذلك الشك ، هو انكاره علم الكيمياء جملة ، ذلك العلم الذي زعموا انه يقلب المعادن الخسيسة إلى ذهب . وكان علماء المسلمين وفلاسفتهم قد انقسموا في أمر الكيمياء فريقين : فريق يقول بامكان ذلك التحويل ، وفريق ينكره . والمنكرون لم تصح عندهم النظرية القائلة بإمكان خلق الإنسان مواد تشبه المواد الطبيعية ، وكان الكندي على رأسهم . وقد أشار ابن نباتة إلى ذلك ، وهو يشرح عبارة ابن زيدون التي يقول فيها : ( وأظهرت جابر بن حيان على سر الكيمياء ) ، وهي عبارة تدل على شهرة جابر ، وان اسمه أصبح عنوانا على هذا الفن . قال ابن نباتة في شرحه : ( الكيمياء معروفة الاسم ، باطلة المعنى . وليعقوب الكندي رسالة بديعة سماها : ابطال دعوى المدعين صنعة الذهب والفضة ، جعلها مقالتين ، يذكر فيها تعذر فعل الناس لما انفردت الطبيعة بفعله ، وخدع أهل هذه الصناعة وجهلهم . ويقال ان أبا بكر الرازي رد عليه في رسالة له . . . ) وللكيمياء في الواقع جانبان : جانب عملي تجريبي ، وجانب نظري ، اما قائم على أصول نظرية سابقة على التجربة ، واما مستمدة من التجربة نفسها . وسنعرض للمنهج التجريبي فيما بعد وقيمته واثره لأهميته بالنسبة للعلوم بوجه عام . ولكننا نقول الآن : ان حياة المسلمين منذ القرن الثاني للهجرة بعد أن أصبحت الدولة الاسلامية متسعة الأطراف ، وفي أعلى درجة من الحضارة في ذلك الزمان ، اقتضت ان ينظر الناس في أمور معاشهم ورفاهيتهم ومدنيتهم ، واقتضى ذلك منهم تدبير أمور كثيرة تحتاج إلى عمليات كيميائية ، مثل : صناعة الورق والزجاج والأحبار والأصباغ لتلوين الأنسجة وتقطير النباتات واستخراج العطور لمنافعها في الدواء وفي التبرج ، وصياغة المعادن وغير ذلك من الأمور التي تعتمد على عمليات كيميائية من احتراق وتقطير وتصعيد ، وتحتاج هذه العمليات إلى أجهزة تدبر فيها كالبواتق والأنابيب والقدور وإشعال النيران القوية . وقد برع العرب في هذه العمليات التجريبية ، وابتكروا أجهزة جديدة ، واستفادوا من القدماء ومن شتى الدول المجاورة ، وتقدموا بهذه الصناعة خطوات واسعة إلى الامام . وهذا الجانب يسميه جابر ، علوم الصنائع التي يحتاج إليها في الكفاية . أما الجانب النظري ، فقد نشب عليه الخلاف بين علماء العرب ، وانما الذي دفعهم إلى ذلك الخلاف ، ما دخل على الكيمياء من سحر تحويل الفضة أو الرصاص أو غير ذلك إلى ذهب ، وهل يمكن ذلك أو لا يمكن ، وان كان ذلك ممكنا فعلى أي أساس ، ولأي علة . وفي خلال هذه المباحثات النظرية ، اضطر العلماء إلى الخوض في الطبيعة التي تتركب منها الجواهر المختلفة ، مع تصنيف هذه الجواهر أو المعادن ، ووصف مظاهرها وخواصها ، فظفر العلم بكثير من الثروة الجديدة . لقد وجد علم الكيمياء اذن ، وتقدم عند العرب ، ونقله الأوروبيون عنهم ، وكان أول كيمائي بمعنى الكلمة هو جابر . ويحكي جابر في بعض رسائله انه حين كان في بلاد العرب تعلم القرآن والنحو والقراءة والكتابة والحساب على يد شخص يسمى ( حربي الحميري ) . وهذا الشخص قد نسجت حوله الأساطير حتى قيل إنه من المعمرين الذين عاشوا أربعمائة سنة . امضى جابر في الكوفة - في أكبر الظن - زمنا ، واتصل بعد ذلك بجعفر الصادق ، ثم بالبرامكة الذين قدموه إلى بلاط الرشيد . اتصل بيحيى البرمكي أولا ، ثم بابنه جعفر بعد ذلك . ولندع جابرا يقص حكاية اتصاله بيحيى لطرافتها قال في كتاب ( الخواص الكبير ) وهو يتحدث عن الإكسير وكيف خلص به كثيرا من الناس وشفاهم ما نصه : ( ولقد كنت يوما من الأيام بعد ظهور أمري بهذه العلوم وبخدمة سيدي - يريد جعفر الصادق - عند يحيى بن خالد . وكان له جارية نفيسة لم يكن لاحد مثلها جمالا وكمالا وأدبا وعقلا وصنائع توصف بها . وكانت قد شربت دواء مسهلا لعلة كانت بها ، فعنف عليها بالقيام ، ثم زاد عليها إلى أن قامت ما لم يكن من سبيل لمثلها شفاء . ثم ذرعها مع ذلك القئ حتى لم تقدر على التنفس ولا الكلام البتة ، فخرج الصارخ إلى يحيى بذلك ، فقال لي : يا سيدي ما عندك في ذلك ؟ فأشرت عليه بالماء البارد وصبه عليها ، لأني لم أرها ، ولم اعرف في ذلك من الشفاء للسموم ولقطعه مثل ذلك . فلم ينفعها شئ بارد ولا حار أيضا ، وذلك اني كمدت معدتها بالملح المحمى وغمرت رجليها . فلما زاد الأمر سألني ان أراها ، فرأيت ميتة خاملة القوة جدا . وكان معي من هذا الإكسير شئ ، فسقيتها منه وزن حبتين بسكنجبين ( 1 ) صرف مقدار ثلاث أواق . فوالله ، وحق سيدي ، سترت وجهي عن هذه الجارية ، لأنها عادت إلى أكمل ما كانت عليه في أقل من نصف ساعة زمانية . فأكب يحيى على رجلي مقبلا لهما . فقلت له : يا أخي لا تفعل . فسألني فائدة الدواء ، فقلت له : خذ ما معي منه ، فلم يفعل . ثم إنه اخذ في الرياضة والدراسة للعلوم وأمثال ذلك ، إلى أن عرف أشياء كثيرة . وكان ابنه جعفر أذكى منه واعرف ( 2 ) ) . وتطلعنا هذه القصة على أن جابرا كان طبيبا ، وكان يستخدم في العلاج دواء يسميه ( الإكسير ) يبدو أنه كان يشفي من كثير من العلل . فلما اتصل جابر بيحيى وابنيه : الفضل وجعفر ، قدمه هؤلاء البرامكة إلى الرشيد . ويزعم الجلدكي في كتابه ( نهاية الطلب ) ( 3 ) ان جابرا كان السبب الذي دعا الرشيد ان يرسل إلى ملك الروم يطلب كتب الحكمة ، فأرسل اليه منها جملة كثيرة عربها حنين بن إسحاق وابن بختيشوع وغيرهما . ونحن نعرف ان أول نقل في الاسلام هو الذي أمر به خالد بن يزيد الأموي ، وكان ذلك بسبب رغبته في علم الكيمياء بالذات . وليس ثمة

--> ( 1 ) الكنجبين : مزيج من الخل والعسل . ( 2 ) مختار رسائل جابر بن حيان ، القاهرة 1354 هجرية ، ص 303 - 304 . ( 3 ) الجلدكي : عالم بالكيمياء عاش في القرن الثامن الهجري ، ولا يزال كتابه هذا مخطوطا .